أبي حيان الأندلسي
16
تفسير النهر الماد من البحر المحيط
فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ الآية ، وجواب لما إذا الفجائية وما بعدها ومجيء إذا وما بعدها جوابا لها ، دليل على أنها حرف يترتب ما بعدها من الجواب على ما قبلها من الفعل الذي بعد لما وانها تفيد الترتيب والتعليق في المعنى ، وانها كما قال سيبويه : حرف . ومذهب غيره : انها ظرف . وقد أوضحنا ذلك فيما كتبناه في علم النحو . والجواب بإذا الفجائية دليل على أنه لم يتأخر بغيهم عن إنجائهم بل بنفس ما وقع الانجاد وقع البغي . قال ابن عباس : يبغون بالدعاء إلى عبادة غير اللّه والعمل بالمعاصي والفساد . والخطاب « بيا أيها الناس » قال الجمهور : لأهل مكة والذي يظهر أنه خطاب لأولئك الذين أنجاهم اللّه بغوا ، ويحتمل كما قالوا العموم ، فيندرج أولئك فيهم وهذا ذم للبغي في أوجز لفظ ، ومعنى على أنفسكم وبال البغي ولا يجني ثمرته إلا أنتم . وقرىء : متاع بالنصب على الظرف ، أي وقت متاع الحياة الدنيا . وقرئ : متاع بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره هو متاع ، وأجاز النحاس وتبعه الزمخشري أن يكون على أنفسكم متعلقا بقوله : بغيكم كما تعلق في قوله : فبغي عليهم ويكون الخبر متاع إذا رفعته . ومعنى : عَلى أَنْفُسِكُمْ أي على أمثالكم ، والذين جنسكم جنسهم يعني بغي بعضكم على بعض منفعة الحياة الدنيا . إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا الآية مناسبتها لما قبلها أنه لما قال : يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم ، ضرب مثلا عجيبا غريبا للحياة الدنيا بذكر من سعى فيها على سرعة زوالها وانقضائها وأنها بحال ما تغر وتسر تضمحل ويؤول أمرها إلى الفناء . والمثل هنا يحتمل أن يراد به الصفة ، وأن يراد به القول السائر المشبه به حال الثاني بالأول ومن السماء اما أن يراد به من السحاب واما أن يراد من جهة السماء . والظاهر أن النبات اختلط بالماء ومعنى الاختلاط تشبثه به وتلفقه إياه وقبوله له لأنه يجري له مجرى الغذاء ، فتكون الباء للمصاحبة وكل مختلطين يصح في كل منهما أن يقال : اختلط بصاحبه . ولما كان النبات ينقسم إلى مأكول وغيره بين أن المراد أحد القسمين بمن